تفتح باب البيت، فترى بقعة ماء على العتبة. تتوقف قبل أن تعبرها. ربما لم تكن لتمنحها أكثر من لحظة، لولا مقطع شاهدته بالأمس عن «علامات السحر المرشوش». تنظر إلى البلل مرة ثانية، ثم إلى أبواب الجيران.
لم يتغير الماء بين النظرتين. الذي تغير هو السؤال: قبل قليل كنت تريد معرفة من سكبه، والآن تبحث عمّن أراد إيذاءك.
وجود ماء أو مادة مجهولة أمام باب البيت لا يكفي وحده لإثبات السحر المرشوش، ولا لتحديد شخص يُتَّهم به. يمكن وصف الأثر والتحقق من مصدره والاحتياط من مادة مجهولة، قبل الجزم بتفسيرها.
ما المقصود بالسحر المرشوش؟
تستعمل بعض مواقع الفتوى هذا الاسم لوصف سحر يُجعل في مادة سائلة ثم يُرش في موضع يمر به الشخص أو يسكنه. هذا تعريف للاستعمال، وليس نتيجة فحص لماء وُجد أمام باب معين. يرد بهذا المعنى، مثلًا، في جواب موقع «الإسلام سؤال وجواب» رقم ٣٢٦٤٨٨. [١]
والفرق مؤثر: قد تعرف ما يقصده الناس بالاسم، من دون أن تعرف هل ينطبق على ما أمامك. تسميته «ماءً مشبوهًا» تصف حيرتك؛ وتسميته «سحرًا» تضيف إلى الوصف حكمًا لم يُثبت بعد.
لهذا لا تبدأ من قائمة توزّع علامات السحر على ألوان السوائل وأوقات العثور عليها. ابدأ بالسؤال الأقرب: ماذا وجدت فعلًا؟ وهل تعرف أنه ماء، أم أنه سائل لم تتعرف إليه؟
ما الذي يقوله الدين، وما الذي يحتاج إلى دليل؟
يذكر القرآن السحر في قوله تعالى: «يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ»، ويقول في الآية نفسها: «وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ» [البقرة: ١٠٢]. لكن الآية لا تقدّم اختبارًا يتيح الحكم على بقعة مجهولة من لونها أو رائحتها. إثبات الأمر في النص لا يعفينا من التثبت عند نسبته إلى واقعة بعينها. [٢]
وترافق هذا السؤالَ قاعدة أخرى: «وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ» [الإسراء: ٣٦]. حين لا نعرف مصدر السائل، فهذه حدود معرفتنا الحالية. نستطيع توسيعها بالسؤال والتحقق، ولا يلزم أن نملأها بأشد الاحتمالات إخافة. [٣]
ويختلف الاشتباه الذي يدعوك إلى الاحتياط عن الاتهام الذي يمسّ إنسانًا. يقول تعالى: «اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ» [الحجرات: ١٢]. وفي تفسير ابن كثير يأتي النهي عن التهمة والتخوّن للأهل والأقارب والناس في غير محله. وجود خلاف قديم مع جار لا يحوّله إلى دليل على أنه وضع شيئًا عند بابك. [٤]
هل لون الماء أو تكراره من علامات السحر المرشوش؟
تساعد التفاصيل على وصف ما حدث، وقد تساعد المختص على التعرف إلى مادة أو مصدر تسرب. لكنها لا تمنح، بمجرد النظر، معرفة بنيّة من وضعها أو بأثر غيبي يُنسب إليها.
لنفترض أن تسجيلًا أظهر شخصًا يسكب سائلًا عند الباب. صار لديك دليل على فعل محدد، ويمكنك السؤال عنه أو الإبلاغ عنه بحسب الظروف. لكن التسجيل وحده لا يعرّف تركيب السائل ولا يثبت الأثر المنسوب إليه. قوة الدليل تتعلق بما يُظهره فعلًا، لا بكل ما نخشاه بعد مشاهدته.
أما تكرار الأثر فيجعل البحث عن مصدره أكثر فائدة. هل يظهر بعد تنظيف المدخل؟ هل يمتد من أنبوب أو موضع رطب؟ وهل لاحظه آخرون؟ هذه أسئلة لجمع القرائن؛ لا نفترض إجاباتها مسبقًا، حتى لو كان أحد الاحتمالات أهدأ وقعًا.
لماذا قد يبدأ التعب بعد اكتشاف الماء؟
قد يقول شخص: «لم أكن أشعر بشيء، ثم رأيت الماء وبدأ الصداع». يستحق هذا الوصف أن يؤخذ بجدية، لكنه لا يحسم السبب. فترتيب الحدثين وحده لا يميز بين تعرض لمادة مؤذية، وأثر خوف وتوقع، أو سبب آخر صادف الوقت نفسه.
تساعدنا أبحاث أثر التوقع السلبي، المعروف بالنوسيبو، على فهم أحد هذه الاحتمالات. في تجربة نشرها مايكل فيتهوفت وجيمس روبين عام ٢٠١٣، وُزّع ١٤٧ مشاركًا عشوائيًا لمشاهدة تقرير تلفزيوني يحذّر من آثار الواي فاي أو فيلم ضابط، ثم خضعوا لتعرض وهمي لإشارة واي فاي. كان المقياس الأساسي ما أبلغوا عنه من أعراض بعده. [٥]
زاد التقرير المخيف القلق المتعلق بالمجالات الكهرومغناطيسية، وزاد الإبلاغ عن الأعراض بعد التعرض الوهمي لدى المشاركين ذوي القلق السابق المرتفع. لا يعني ذلك أن كل من يشاهد تحذيرًا سيُصاب بأعراض، أو أن كل تعب بعد الخوف نفسي المنشأ.
وللمقارنة، لم تجد دراسة نشرها كريستوف بوهمرت وزملاؤه عام ٢٠١٨، بعينة نهائية من ١٣٧ مشاركًا، التأثير المتوقع للمعلومات الاحترازية في الأعراض أثناء تعرض وهمي لشبكة لاسلكية. تمنعنا هذه النتيجة من اختزال المسألة في أن «أي تحذير يخلق المرض». شكل المعلومة وسياقها والمتلقي مسائل ينبغي فحصها. [٦]
لم تختبر الدراستان السحر أو سوائل المداخل. نستخدمهما لفهم حدود الاستدلال من ظهور الأعراض بعد توقع الضرر؛ ولا يجوز استعمالهما للحكم على شخص بعينه بأنه يتوهم، أو لاستبعاد مادة مؤذية من دون فحص.
خطّ الماء في «أم عباس»: حين يختلف البيت على ما يراه
في الفصل الثالث من روايتي «أم عباس لجلب الحبيب وردّ المطلّقة»، تستيقظ مريم على صوت، ثم تجد أمام باب الحمّام خطًّا من البلل يمتد في اتجاه غرفتها ويتوقف عند بابها. تنفي أنها خرجت من الحمّام، ويسألها الأب إن كانت قد سكبت شيئًا. وبعد أن ينظر إلى الحمّام، يسمي ما رآه تسريبًا؛ ولا تجد مريم في الكلمة ما يطمئنها. [٧]
ما يجعل المشهد مؤثرًا أن الأسرة ترى الأثر نفسه وتحمل إليه أسئلة مختلفة. الأب يريد تفسيرًا يمكن التعامل معه، والأم خائفة، ومريم منهكة من أن يكون السؤال عنها كأنه اتهام لها. لم يعد الخلاف حول الماء وحده؛ صار حول من يُصدَّق، وكيف يُسمع الخوف.
في بناء المشهد، يضيّق خطّ الماء المسافة بين الحمّام وغرفة مريم، ويوسّع المسافة بين أفراد الأسرة. هذا ما يتيحه الأدب: أن يجعلنا نشعر بثقل السؤال قبل حسمه. وتظل دلالة المشهد أدبية؛ لا ننتقل منه إلى تشخيص بيت أو تفسير واقعة خارج الرواية.
وقد يكون الكلام الأكثر نفعًا في بيت خائف بسيطًا: رأينا بللًا، ولم نعرف مصدره بعد. سنحاول فهمه، وسنأخذ خوفك بجدية أثناء ذلك. تمنح هذه العبارة المكان فرصة للفحص، وصاحبه فرصة للكلام.
ماذا تفعل إذا وجدت مادة مجهولة أمام الباب؟
ابدأ بما يحفظ السلامة. أبعد الأطفال والحيوانات عن المادة، وتجنب لمسها مباشرة أو تذوقها أو تعمّد استنشاقها. إذا عُرف أنها ماء تنظيف عادي أو تسرب غير مؤذٍ، يمكن التعامل مع السبب بالطريقة المعتادة. أما المادة التي لم تتعرف إليها فلا تفترض أن سكب منظف عليها سيجعلها آمنة.
تحذر مراكز مكافحة الأمراض والوقاية منها من خلط المبيّض أو المطهّرات بمنتجات تنظيف أخرى، لما قد ينتج عن ذلك من أبخرة خطرة. لذلك لا تجرّب خلطات منزلية للتخلص من سائل مجهول، ولا تحرق مادة لا تعرفها. [٨]
يمكن تصوير موضعها من مسافة آمنة، وتسجيل وقت العثور عليها، وسؤال إدارة المبنى أو المسؤول عن المكان عن تسرب أو تنظيف. وإذا تكرر وضع مادة عمدًا، أو صاحبه تهديد، فاطلب المساعدة من الجهة المختصة في مكانك، مع وصف ما وثقته بدقة.
إذا ظننت أن شخصًا تعرض لمادة مؤذية بالبلع أو اللمس أو الاستنشاق، فاطلب مشورة طبية عاجلة. وصعوبة التنفس الشديدة أو فقد الوعي تستدعيان الطوارئ المحلية. تؤكد الإرشادات الصحية ضرورة عدم انتظار ظهور الأعراض عند الاشتباه بالتسمم؛ وقد تتأخر بعض الأعراض. [٩]
هل أستطيع قراءة القرآن والرقية؟
ورد في صحيح مسلم، عن عوف بن مالك الأشجعي رضي الله عنه، قول النبي صلى الله عليه وسلم: «لَا بَأْسَ بِالرُّقَى مَا لَمْ يَكُنْ فِيهِ شِرْكٌ». والحديث صحيح لإخراج مسلم له في صحيحه. تستطيع أن تلتمس الطمأنينة في عبادتك والرقية المشروعة، وأن تتابع معرفة مصدر المادة وطلب المساعدة اللازمة. [١٠]
لكن تحسن شعورك بعد القراءة لا يكفي وحده لتحديد ما كان على العتبة. وكذلك لا يلزمك أن تعيد التفتيش في كل زاوية حتى تحصل على يقين كامل. فإذا استمر الخوف وأخذ يقيّد نومك وخروجك وعلاقاتك، فصف أثره واطلب مساعدة مؤهلة بدل البقاء وحدك مع تأويلات تتكاثر.
وعند طلب المساعدة، انتبه إلى الجواب الذي تتلقاه: هل يشرح ما استند إليه ويحتمل السؤال، أم يبدأ بتسمية فاعل مجهول ويطلب منك تصديقه؟ الثقة في نبرة المتحدث لا تمنح اتهامه دليلًا.
قد تجد مصدر البلل، وقد تحتاج إلى من يساعدك على معرفته. وفي أثناء ذلك، تستطيع أن تحفظ الفرق بين ثلاث عبارات: «رأيت أثرًا»، و«خفت منه»، و«عرفت سببه». لكل واحدة منها دليلها؛ ولا تقوم إحداها مقام الأخرى.
وفي الليلة التالية، حين يفتح أحدهم الباب، يكفي أن يجد أهل البيت مستعدين للسؤال بهدوء: ماذا حدث؟ أن تبقى الإجابة ناقصة لبعض الوقت أهون من أن يكتمل اتهام بلا بيّنة. ولعتبة البيت شأن أصغر وأجمل من حمل هذا كله: أن نعبرها إلى من نحب، ونجد مكانًا نستريح فيه.
المصادر والمراجع
- [١] الإسلام سؤال وجواب، ٣٢٦٤٨٨. «السحر المرشوش»، ١١ يناير٢٠٢٤. استُخدم لبيان معنى المصطلح في الفتوى، لا لتشخيص أثر معين. النص.
- [٢] القرآن الكريم، البقرة: ١٠٢. نص الآية.
- [٣] القرآن الكريم، الإسراء: ٣٦. نص الآية.
- [٤] القرآن الكريم، الحجرات: ١٢؛ تفسير ابن كثير. الآية والتفسير.
- [٥] Michael Witthöft & G. James Rubin، ٢٠١٣. Are media warnings about the adverse health effects of modern life self-fulfilling? An experimental study on idiopathic environmental intolerance attributed to electromagnetic fields (IEI-EMF). Journal of Psychosomatic Research، 74(3):206-212. DOI:10.1016/j.jpsychores.2012.12.002. الملخص وبيانات النشر.
- [٦] Christoph Boehmert, Adam Verrender, Mario Pauli & Peter Wiedemann، ٢٠١٨. Does precautionary information about electromagnetic fields trigger nocebo responses? An experimental risk communication study. Environmental Health، 17:36. DOI:10.1186/s12940-018-0377-y. البحث. عُرضت النتائج والحدود ذات الصلة؛ لا تدّعي الدراستان اختبار السحر.
- [٧] أحمد الحافظ، «أم عباس لجلب الحبيب وردّ المطلّقة». الفصل الثالث، «البيت الذي لم يصدق»، ص٦٠-٦٢ من ملف المؤلف المرفق ذي٣٢٤ صفحة. الصفحات تخص هذه النسخة؛ الإحالة أدبية. صفحة الرواية.
- [٨] CDC. Cleaning and Disinfecting with Bleach. تحذير خلط منتجات التنظيف والمطهّرات. المصدر الرسمي.
- [٩] NHS. Poisoning. آخر مراجعة ظاهرة:١٢ يونيو٢٠٢٥. إرشادات الاشتباه بالتعرض لمادة مؤذية؛ أرقام الخدمة البريطانية لا تُعمَّم على البلدان الأخرى. المصدر الرسمي.
- [١٠] صحيح مسلم، ٢٢٠٠. حديث عوف بن مالك الأشجعي في الرقية الخالية من الشرك. النص والتخريج.
الحافظ، أحمد. «علامات السحر المرشوش: هل الماء أمام الباب دليل؟». ٢٧ أكتوبر ٢٠٢٦. https://ahmedalhafiz.com/articles/sprinkled-magic-water-door-evidence/