Ahmed Alhafiz · 2026-09-25

كيف يتحول اليقين الجماعي إلى عنف؟ سبع آليات لا تبدأ بالكراهية

شرح بحثي لدور عدم اليقين والانتماء والدليل الدائري والشائعات والنبوءة ذاتية التحقق والكلفة الغارقة والطاعة المجزأة في انتقال الجماعات من الاعتقاد إلى العنف.

مراجعة المؤلف مكتملة؛ المراجعة المستقلة المتخصصة لم تكتمل بعد.

ملف الأدلة والاقتباساكتشف العمل الأدبي المرتبط

الجواب المختصر

لا يبدأ التطرف العنيف دائماً من الكراهية، ولا يسير في خط مستقيم، ولا يفسره مرض نفسي واحد. قد يبدأ من حاجة مشروعة إلى معنى أو صحبة أو عدالة، ثم تعمل الجماعة على تقليل الغموض، وتمنح أعضاءها هوية واضحة وأدواراً وعلاقات وثقة. بعد ذلك يمكن أن تتحول القرائن المتفرقة إلى نظام مغلق: كل اعتراض يؤوَّل لصالح الفكرة، والخبر المريح ينتشر أسرع، وكل تضحية جديدة تجعل الرجوع أغلى.

الأبحاث لا تقدم وصفة تتنبأ بمن سيصبح عنيفاً. لكنها تساعد على رؤية آليات متكررة: عدم اليقين، والهوية الجماعية، والدليل الدائري، والشائعة، والنبوءة ذاتية التحقق، وتصعيد الالتزام، وتجزئة المسؤولية. هذه الآليات لا تخص ديناً أو شعباً واحداً، ولا تجعل كل جماعة متماسكة خطرة. الخطر يظهر حين تُغلق طرق التصحيح ويتحول الولاء إلى بديل عن الدليل ويصبح السلاح جزءاً من معنى الكلام.

أولاً: عدم اليقين يجعل الهوية الواضحة جذابة

تقترح نظرية «عدم اليقين والهوية» أن الإنسان حين يشعر بالغموض حيال ذاته أو مكانه أو المستقبل قد ينجذب أكثر إلى جماعة تمنحه تعريفاً واضحاً: من نحن؟ من خصمنا؟ وما المطلوب الآن؟ الجماعات ذات الحدود الحادة والقيادة الواضحة تستطيع تخفيف القلق لأنها تقلل عدد الأجوبة الممكنة. [1]

هذا لا يعني أن الحيرة تصنع متطرفاً تلقائياً. الغالبية تعيش أزمات من دون عنف. المقصود أن اليقين الجماعي قد يصبح خدمة نفسية واجتماعية حقيقية، ولذلك لا يكفي دحض فكرة واحدة لإخراج شخص منها؛ قد تطلب منه أن يخسر معها اسمه الجديد ورفاقه ودوره.

في قصة جهيمان مثلاً، لا تكفي قائمة معتقدات لشرح الحركة. الدراسة المؤسسية لديناميات الجماعات المتطرفة تشدد على الهوية الاجتماعية، والأدوار، والقواعد، والعلاقات، والشبكات والحدود مع الخارج. الجماعة لا تقدم رأياً فقط؛ تقدم حياةً منظمة. [2]

ثانياً: الانتماء قد يسبق الاقتناع

كثيراً ما نتخيل أن الفرد يقتنع بنظرية كاملة ثم يبحث عن جماعة تنفذها. الواقع قد يسير بالعكس: مساعدة، وظيفة صغيرة، مجلس، سفر، شخص يقول «نحتاجك». تتكون الثقة والالتزامات المتبادلة أولاً، ثم يصبح الخلاف مع الفكرة مهدداً لعلاقة ذات قيمة.

تقدم أبحاث «اندماج الهوية» وصفاً لحالات تصبح فيها الهوية الشخصية والجماعية متداخلتين بقوة. أظهر تحليل تلوي شمل 90 دراسة ارتباط هذا الاندماج بتوجهات قصوى مؤيدة للجماعة، مع اختلاف واضح بين السياقات والمقاييس. الارتباط ليس قدراً، لكنه يفسر لماذا قد تُختبر التضحية بوصفها دليلاً على صدق الذات لا مجرد طاعة لتنظيم. [3]

العلامة المهمة هنا ليست كثرة الأصدقاء داخل الجماعة، بل ضيق القدرة على قول: أحب هؤلاء وأختلف معهم؛ أخدمهم ولا أتنازل عن فحص الفعل.

ثالثاً: الدليل الدائري يجعل الدعوى غير قابلة للخسارة

توجد دعوى قابلة للاختبار إذا كان هناك شيء يمكن أن يثبت خطأها. أما النظام المغلق فيعيد تفسير كل نتيجة لمصلحته:

  • قبول القائد دليل.
  • رفضه تواضع أو خوف.
  • سكوته هيبة.
  • غيابه حفظ من الفتنة.
  • اعتراض العضو ضعف إيمان.
  • موافقته شهادة جديدة.

هنا لا يعود عدد «القرائن» مهماً، لأن بعضها قد يكون صدى للبعض الآخر. قد تؤثر الرؤى في رجل، ثم يُعاد اقتناعه بوصفه دليلاً مستقلاً على صحة الرؤى. يبدو لدينا دليلان، بينما لدينا دائرة واحدة.

السؤال المضاد البسيط هو: ما الذي لو ثبت سيجعلنا نقول إننا أخطأنا؟ إذا لم تستطع الجماعة تسمية جواب حقيقي، فهي لا تحمي العقيدة فقط؛ تحمي النتيجة من الواقع.

رابعاً: الشائعة قد تنمو من دون كاذب مركزي

تعرف أبحاث الشائعةُ بأنها قول غير متحقق يدور بين الناس، وتوضح أن تداولها يؤدي وظائف: فهم موقف غامض، وإدارة تهديد، وصناعة معنى مشترك. قد تصبح بعض الشائعات دقيقة، وقد تتشوه أخرى؛ المهم أن صدق الناقل لا يضمن سلامة السلسلة. [4]

يستطيع كل شخص أن يقول بصدق «هذا ما بلغني»، ثم تسقط في كل انتقال كلمة احتراز:

  • «رجل قال إنه سمع من جهاز»؛
  • تصبح «سمعوا من الجهاز»؛
  • ثم «أعلن الجهاز»؛
  • ثم «ثبت الخبر».

تزيد إعادة المعلومة من ألفتها، وقد تزيد الألفة حكم الناس بصدقها حتى عندما لا تضيف التكرارات مصدراً مستقلاً. لذلك نحتاج إلى تتبع أول السلسلة، لا عدّ الأشخاص الذين وصل إليهم آخرها. [4]

خامساً: النبوءة قد تصنع بعض الظروف التي تبدو دليلاً عليها

في علم النفس الاجتماعي، تحدث «النبوءة ذاتية التحقق» حين تؤدي توقعات شخص إلى سلوك يساهم في إنتاج النتيجة المتوقعة. الأدبيات تشدد أيضاً على أن هذه الآثار ليست مطلقة؛ قد تكون صغيرة أو مشروطة، وقد يقاومها الواقع والآخرون. [5]

في نزاع مسلح قد تعمل الحلقة هكذا:

  1. تتوقع الجماعة أن الخصم سيهاجمها.
  2. تتسلح وتسيطر على موقع كي تستعد.
  3. يقرأ الخصم السلاح والسيطرة كتهديد ويتدخل.
  4. تقرأ الجماعة التدخل دليلاً على صحة توقعها الأول.

لا يعني ذلك أن كل عدوان تالٍ مبرر أو أن طرفاً واحداً يصنع الصراع كله. المعنى أضيق: لا يجوز عدّ النتيجة دليلاً مستقلاً إذا كانت أفعالنا شاركت في صنعها. دراسة عن أزمة واكو وجدت أن النبوءة ذاتية التحقق وتصعيد الالتزام يمكن أن يتفاعلا في حلقات تزيد الأزمة، ولا سيما حين تُحصر الخيارات في بديلين متناقضين وتُستبعد الخبرة المخالفة. [6]

سادساً: الكلفة الغارقة تجعل الرجوع اعترافاً مؤلماً

بعد استثمار الوقت والمال والسمعة والتضحية، لا يعود قرار الخروج متعلقاً بالمستقبل وحده. يشعر الإنسان أن تراجعه سيعلن أن الأثمان السابقة ربما ذهبت في الاتجاه الخطأ. لهذا قد تضيف الطلقة الثانية معنى إلى الأولى لا لأنها أثبتت الحق، بل لأنها تمنع الأولى من أن تبدو عبثاً.

تسمي أبحاث القرار ذلك «تصعيد الالتزام»: الاستمرار في مسار متعثر لأن صاحبه صار مرتبطاً بقرار سابق. تؤكد المراجعات أن الظاهرة تتأثر بعوامل فردية واجتماعية وتنظيمية، ولا تختزل في جهل حسابي بسيط. [6][7]

السؤال الوقائي ليس «كم دفعنا؟» بل «لو بدأ القرار الآن، ومعنا المعلومات الحالية فقط، هل سنختار الفعل نفسه؟» الماضي لا يمكن استرداده؛ إضافة خسارة جديدة لا تعيده.

سابعاً: تجزئة المعرفة توزّع الفعل وتخفي المسؤولية

في التنظيم السري قد يعرف كل شخص ما يحتاجه لمهمته فقط: واحد ينقل صندوقاً، وآخر يصلح سيارة، وثالث يحرس باباً، ورابع ينقل خبراً. التجزئة تحمي الخطة، لكنها تصنع أيضاً مساحة أخلاقية يقول فيها كل فرد: لم أعرف الصورة كاملة.

المشكلة أن الجهل قد يتحول من نقص مفروض إلى اختيار. حين تظهر الإشارات ويقرر الشخص ألا يسأل لأنه يريد الاحتفاظ بالعلاقة أو بالدور، يصبح «لا أعرف» وصفاً ناقصاً. هو يعرف ما يكفي ليدرك أن هناك باباً مغلقاً ويوافق على العمل بجواره.

كما تتجزأ المعرفة تتجزأ المسؤولية: القائد لم يطلق، وحامل السلاح تلقى أمراً، وناقل الخبر لم يخترعه، ومقدم الخدمة لم يعرف الغاية. لكن النتيجة احتاجت إلى الجميع. المساءلة الدقيقة لا تعني مساواتهم؛ تعني ألا تختفي أفعالهم داخل اسم الجماعة.

ما الذي يوقف المسار؟

لا توجد حركة سحرية تمحو الماضي، لكن توجد حواجز عملية:

  1. إبقاء سؤال قابل للدحض: ما الدليل الذي سيغير رأينا؟
  2. فصل الخبر عن التعيين، والتعيين عن الأمر بالفعل.
  3. التحقق من المصدر الأول قبل نشر الخبر المريح.
  4. السماح بالاعتراض من دون تحويله إلى عيب في القلب أو الولاء.
  5. فصل حق الدفاع عن حكم هوية الخصم أو عقيدته.
  6. مراجعة القرار بالمعلومات الحالية، لا بالأثمان السابقة.
  7. تسمية الفعل الفردي: من حمل؟ من أمر؟ من أطلق؟ من امتنع؟
  8. وقف الفعل التالي حتى لو تعذر إصلاح السابق.

هذه الحواجز لا تضمن الصواب. لكنها تفتح أبواباً يدخل منها الواقع، وتحرم اليقين الجماعي من القدرة على تفسير كل شيء لمصلحته.

ماذا تضيف الرواية إلى البحث؟

البحث يصف الأنماط ويختبر العلاقات بين المتغيرات. الرواية تستطيع وضع القارئ داخل المسافة بين المعرفة والفعل: خدمة صغيرة، صديق موثوق، شرط يضعه الإنسان في قلبه ولا يسمعه العالم، وخبر يريحه قبل أن يسأل عن مصدره.

في «جهيمان — خوارج بين الركن والمقام» لا تُستخدم الشخصية المتخيلة لإثبات حقيقة تاريخية، بل لاختبار سؤال المسؤولية: متى تصبح اليد التي تنقل وتصافح وتحمل السلاح صاحبة قرار، حتى لو لم تملك الصورة كاملة؟ صفحة الرواية: /books/juhayman/

للسياق التاريخي: جهيمان واقتحام الحرم المكي سنة 1979: ماذا حدث، ولماذا قيل إن القحطاني هو المهدي؟

أسئلة شائعة

هل التطرف سببه مرض نفسي؟

لا يوجد مرض واحد يفسر التطرف، ولا مسار حتمي. العوامل الشخصية والاجتماعية والسياسية والجماعية تتفاعل، ومعظم من يعيشون عدم يقين أو انتماء قوياً لا يصبحون عنيفين.

هل الانتماء إلى جماعة خطر بحد ذاته؟

لا. الانتماء حاجة بشرية وقد يكون مصدر خير. الخطر يرتفع حين يُمنع التصحيح، ويُختزل الخارج في عدو، ويصبح الولاء بديلاً عن الدليل.

ما الدليل الدائري؟

هو نظام يجعل كل نتيجة تؤيد الدعوى: القبول دليل والرفض دليل آخر، فلا يبقى واقع يستطيع نقضها.

هل تكرار الخبر يجعله أصدق؟

لا يضيف التكرار مصدراً مستقلاً، لكنه يزيد الألفة وقد يزيد الإحساس بالصدق. المهم الوصول إلى المصدر الأول وتحديد ما شاهده فعلاً.

ما النبوءة ذاتية التحقق؟

توقع يقود إلى سلوك يشارك في إنتاج النتيجة المتوقعة. لا يعني ذلك أن كل نبوءة كاذبة أو أن كل نتيجة صنعها طرف واحد.

لماذا يصعب التراجع بعد التضحية؟

لأن الاعتراف بالخطأ يهدد معنى الوقت والمال والسمعة والدم الذي دُفع. هذه هي إحدى صور تصعيد الالتزام والكلفة الغارقة.

هل الامتناع المتأخر بلا قيمة؟

لا يصلح الماضي، لكنه يمنع فعلاً جديداً. قيمته محدودة وحقيقية في الوقت نفسه.

المراجع

  1. Michael A. Hogg, “From Uncertainty to Extremism,” Current Directions in Psychological Science (2014). https://doi.org/10.1177/0963721414540168
  2. Andreas Zick, “Dynamiken, Strukturen und Prozesse in extremistischen Gruppen,” BKA Handbuch Extremismusprävention. https://www.handbuch-extremismuspraevention.de/HEX/DE/Handbuch/Kapitel_3/Modul_3_2/Modul_3_2.html
  3. Varmann et al., “How identity fusion predicts extreme pro-group orientations: A meta-analysis” (2024; online 2023). https://doi.org/10.1080/10463283.2023.2190267
  4. Nicholas DiFonzo and Prashant Bordia, “Ferreting Facts or Fashioning Fallacies? Factors in Rumor Accuracy” (2011). https://doi.org/10.1111/j.1751-9004.2010.00321.x
  5. Stephanie Madon et al., “Self-Fulfilling Prophecies: Mechanisms, Power, and Links to Social Problems” (2011). https://doi.org/10.1111/j.1751-9004.2011.00375.x
  6. John C. Edwards, “Self-Fulfilling Prophecy and Escalating Commitment: Fuel for the Waco Fire” (2001). https://doi.org/10.1177/0021886301373006
  7. Dustin J. Sleesman et al., “Cleaning Up the Big Muddy: A Meta-Analytic Review of the Determinants of Escalation of Commitment” (2012). https://doi.org/10.5465/amj.2010.0696
آخر مراجعة تحريرية: 25 سبتمبر 2026. هذا المقال شرح عام ولا يشخّص شخصاً أو جماعة بعينها.